إعادة رسم خريطة النفوذ… ونهاية الغموض الاستراتيجي

0
(0)

> تتجاوز تداعيات الحرب أبعادها الثنائية مع إيران لتطول بنية النظام الدولي برمته. فالانتشار العسكري الأميركي الهائل في الشرق الأوسط يُفرغ الالتزامات المُعلنة بالمحور الإندو باسيفيكي من مضمونها، ويمنح الرواية الصينية عن «الأفول الأميركي» صدقية ميدانية إضافية.

لقد رصد محللون أن ما يزيد على 40 في المائة من السفن العملياتية للبحرية الأميركية باتت مُحتشدة حول الشرق الأوسط، ما يُقلّص الحضور الرادع في المياه الآسيوية بصورة مباشرة. وفي هذا الإطار، قال سيدريك بيران، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الفرنسي، إننا نشهد «منعطفاً جيوسياسياً تاريخياً لم يعرف العالم مثيله منذ سقوط جدار برلين»، مشيراً إلى أن الصين واليابان وكوريا الجنوبية ستسعى بسرعة إلى الضغط على واشنطن لوقف التصعيد. أما زميله كريستيان كامبون، عضو مجلس الشيوخ التابع لحزب الجمهوريين اليميني، فحذّر من أن أي صدمة نفطية ستُلقي بظلالها بصورة كاملة على آسيا أكثر من سواها.

في المقابل، كشفت الحرب عن حدود الدور الصيني بوضوح. فعلى الرغم من «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أبرمتها بكين مع طهران عام 2021، واستثماراتها الضخمة ضمن إطار «مبادرة الحزام والطريق»، لم تتدخل الصين لحماية إيران من الضربات الأميركية الإسرائيلية، ما يؤكد نهجها الحذر في قضايا الأمن الإقليمي. وهذا ما لخّصه لنا الباحث الفرنسي أنطوان بونداز، عندما علّق بأن «الصين تخاطر بأن تبدو عاجزة عن نجدة حلفائها في أوقات الشدة، وهذا واقع يُقوّض رصيدها الجيوسياسي في المنطقة وخارجها. وبالتالي، بناءً على هذه المعطيات ستحتاج كل من اليابان وكوريا الجنوبية إلى تسريع تطوير قدراتهما العسكرية، ولا سيما قدرات الضرب بعيد المدى وأنظمة الدرع الصاروخية المتعددة الطبقات، في مستقبل لم يعد فيه مجال للاتّكال على الضامن الأميركي».

يُفاقم هذا كله أن النظام الإقليمي في شمال شرقي آسيا يعاني أصلاً من ضغوط بنيوية متراكمة: كوريا الشمالية وبرنامجها النووي الذي لا يتوقف، والخلاف الصيني التايواني الذي ينتظر شرارةً قد لا تُشبه سابقاتها. وهنا يحذّر بونداز من أن «خطر تأثير الدومينو نحو اليابان وكوريا الجنوبية قائم فعلاً، إذا ما شكّكتا في الضمانات الأمنية الأميركية».

وبالفعل هذا الخطر بات اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، فبعد الضربات الأميركية على إيران، باتت كوريا الشمالية تأخذ التهديد الأميركي المحتمل لبلادها بجدّية بالغة، من دون التفكير بالتخلّي عن برنامجها النووي، بل على العكس من ذلك. إذ يبدو الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون قادراً على التوجه إلى قياداته العسكرية بالقول: انظروا إيران كونها لا تمتلك القنبلة النووية ينتهى بها الأمر على هذا النحو، فكيف لا نمضي بقدراتنا النووية قدماً…

في سياق آخر، كانت سياسات اليابان وكوريا الجنوبية تُدار منذ عقود وفق منطق الغموض الاستراتيجي المحسوب: تحالف وثيق مع واشنطن، وعلاقات اقتصادية مع بكين، ومسافة حذرة من أي تصعيد. غير أن الحرب على إيران تُضيّق الآن هامش هذا الغموض يوماً بعد يوم، وتطرح على دوائر صنع القرار في طوكيو وسيول سؤالاً ملحّاً؛ إلى متى سنستطيع الموازنة؟

ما يمكن استخلاصه هو أن ثّمة هشاشة مادّية تسبق كل نقاش استراتيجي، إذ غدا معروفاً أن اليابان وكوريا الجنوبية تستوردان معظم احتياجاتهما النفطية من الخليج. وعليه، فمجرّد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز لأسابيع معدودة كفيل بشلّ إنتاجهما الصناعي وإرباك توقّعات نموّهما لسنوات. وحقاً، دفع هذا الواقع البلدين إلى إعادة الاعتبار للطاقة النووية المدنية، لكن التوسّع في البنية النووية المدنية يُقصّر موضوعياً، المسافة إلى عتبة الامتلاك العسكري.

وفي قراءته لمستقبل توجّهات كوريا الجنوبية، يرى الخبير الفرنسي أنطوان بونداز «أن قضية امتلاك أسلحة نووية مستقلة باتت تحظى الآن بتأييد شعبي واسع»، معتبراً أن ذلك «يمثل حسابات استراتيجية أكثر من كونه حماسة مؤقتة، وهذا في ظل شكوك متصاعدة حول صمود الضمانة الأميركية».

أما بالنسبة لليابان، فتُلاحظ الدكتورة فاليري نيكيه «أن تحولاتها الأمنية الأخيرة، رغم ضخامتها، تبقى رهاناً على استمرار المظلة الأميركية أكثر من كونها مشروع استقلالية حقيقية». وتتابع: «الأخطر في المشهد أن الصين لن تخسر شيئاً من هذه الحرب، فانشغال واشنطن في الخليج يُخفف الضغط عن بكين في ملف تايوان، ويكشف محدودية القدرة الأميركية على الوفاء بالتزاماتها في جبهتين متزامنتين. هذا يجعل الحرب على إيران أكثر من نزاع إقليمي، لتغدو اختباراً لصمود النظام الأمني بأسره، وقد تكون نتيجته إعادة رسم خريطة الانتشار النووي في منطقة ظنّت نفسها بعيدة عن هذه المعادلات».

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

0 / 5. 0

  • Related Posts

    دعم التكاليف الإضافية للسلع الأساسية

    0 (0) لضمان استقرار السوق وتوفر السلع، أصدر وزير التجارة والصناعة أسامة بودي قراراً وزارياً، أمس، بشأن دعم التكاليف الإضافية على الشركات المستوردة لضمان استمرار إمدادات السلع الأساسية وتدفقها إلى…

    اليوسف: تكثيف الجهود العربية لمنع وصول المسيّرات للميليشيات

    0 (0) شدد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الشيخ فهد يوسف سعود الصباح اليوم الأربعاء على أن العدوان الإيراني الغاشم على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وبعض…