في جبال ظفار؛ حيث كانت الأعراف القبلية تمثل ميزان العدالة ومرجع الفصل في الخصومات قبل تشكّل مؤسسات الدولة الحديثة، برزت شخصيات استثنائية وصفت بالحكمة وتحمل مسؤولية الإصلاح بين الناس. ومن أبرز تلك القامات التاريخية الحكيم الشاعر أحمد بن عمر بن أحمد عيرون الشحري، الملقب بـ”أحمد جنسي”؛ وهو لقب أطلق عليه منذ صغره، وكلمة جنسي في اللسان الظفاري الريفي تعني الجّني “العبقري” أو “الآتي بفهمٍ يتجاوز المألوف”، في إشارة إلى نفاذ بصيرته وذكائه المبكر.
وُلد أحمد جنسي- بحسب التقديرات المتوارثة- نحو عام 1821م، وعاش قرابة تسعين عامًا، حتى وفاته نحو عام 1911م، في فترة دقيقة من تاريخ جبال ظفار كانت فيها الأعراف القبلية تمثل السلطة القضائية العليا، وكانت “الحجرة القبلية” بمثابة محكمة جنائية يُحتكم إليها في القضايا الكبرى.
في زمن أحمد جنسي، لم تكن القوانين مكتوبة في مدونات رسمية، بل محفوظة في صدور الرجال؛ يتوارثونها جيلاً بعد جيل. وكان العرف القبلي منظومة دقيقة لها مفاصل ومخارج وأحكام متشعبة، تضبط الدماء والديات، وتحفظ الحقوق، وتردع المعتدي، وتمنع تفكك المجتمع.
داخل تلك المنظومة المعقدة، لمع نجم أحمد جنسي بوصفه خبيرًا محنكًا يعرف دقائق التشريع العرفي، ويحفظ سوابقه، ويدرك مواطن التشدد ومواضع التيسير. لم يكن مجرد ناقلٍ للأعراف، بل كان قارئًا عميقًا لروحها ومقاصدها، فيوازن بين صرامة النص العرفي ومصلحة الجماعة، ويبحث عن المخارج المشروعة التي تحفظ ماء الوجه وتقلل من حجم العقوبات.
تُروى عنه مرافعات تاريخية في الحجرة القبلية، استطاع فيها أن يُخرج موكليه من عقوبات قاسية لم يكن ينجو منها إلا من تمرّس بدهاليز العرف وخبر مسالكه. كان يدرك كيف يُعيد توصيف القضية، أو يُبرز ظرفًا مخففًا، أو يستحضر سابقةً عرفية تُغيّر مسار الحُكم.
في قضايا الدم والخصومات الكبرى، حين تضيق السبل وتتعقد الخيوط، كان المتنازعون يقصدونه مستشيرين. وما إن يتولى النظر في القضية حتى يبدأ بفك عقدها واحدةً تلو الأخرى، حتى يخرج بحل يرضي المجلس القبلي ويخفف عن الخصوم وطأة العقوبة. وهنا تجلت عبقريته؛ فهو لم يكن يناور خارج إطار العرف، بل كان يتحرك داخله بمهارةٍ العارف بكل مفاصله ومخارجه.
لقد مثّل- بمعايير عصره- مستشارًا عرفيًا ومحاميًا بامتياز، شهد له القاصي والداني في ربوع ظفار بسداد الرأي، وقوة الحجة، ورباطة الجأش أمام المجالس المكتظة بالوجوه المتحفزة والقرارات المصيرية.
لم تكن حكمته حبيسة المجالس، بل تجلت كذلك في شعره، ولا سيما في فن الوياد، وهو أحد الفنون الشعرية المحلية في ظفار، يتسم بالحكمة والارتجال وقوة السبك. كان شعره امتدادًا لعقله؛ يجمع بين البلاغة والبصيرة، ويُحمّل أبياته رسائل إصلاحية واجتماعية.
فالشاعر عند أهل الجبال لم يكن مجرد قائلٍ للقصيد، بل كان صوت القبيلة، ولسانها في السلم والحرب، والمعبّر عن قيمها ومآثرها. وقد جمع أحمد جنسي بين وظيفة الشاعر ووظيفة الحكيم، فصار شعره حجةً إضافية تعزز مكانته، وتُرسّخ حضوره في الذاكرة الجمعية.
عاش أحمد جنسي نحو تسعين عامًا، وهي مدة كافية ليشهد تحولات اجتماعية عديدة، وليترك أثرًا ممتدًا في أجيال متعاقبة. لم يدوَّن تاريخه في سجلات رسمية، لكن الذاكرة الشفوية حفظت اسمه، وتناقلت مواقفه، وأثبتت أن العدالة في المجتمعات التقليدية لم تكن غائبة؛ بل كانت مؤطرة بأعراف دقيقة يحرسها رجال حكماء.
إن سيرة أحمد جنسي تمثل نموذجًا فريدًا لحكمة الجبال الظفارية؛ حيث كان الرجل مؤسسةً قائمة بذاتها، يحمل القانون في صدره، والعدل في قلبه، والبيان في لسانه.
رحم الله حكماء ظفار، رجالًا شهد لهم التاريخ وإن لم تُسطر أسماؤهم في الكتب، فقد كتبتهم الذاكرة الشعبية بمداد الذهب، وخلدت سيرتهم في وجدان المكان.
المصدر:
عرض الخبر من المصدر





