وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رسالة تحد صارمة، مؤكدا أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين قد بدأ بالفعل الحرب العالمية الثالثة، وأن السبيل الوحيد لإيقافه يكمن في ممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية مكثفة.
وأعرب زيلينسكي، خلال مقابلة حصرية من داخل مقر الحكومة المحصن بالعاصمة كييف، عن ثقته التامة في انتهاء الصراع المسلح بانتصار بلاده، رافضا بشكل قاطع دفع ثمن اتفاق وقف إطلاق النار الذي يطالب به بوتين عبر الانسحاب من الأراضي الاستراتيجية التي فشلت موسكو في السيطرة عليها رغم التضحية بعشرات الآلاف من جنودها.
وقال زيلينسكي في حديثه الذي نقلته هيئة الإذاعة البريطانية: “أعتقد أن بوتين قد بدأها بالفعل، والسؤال هو ما مقدار الأراضي التي سيتمكن من الاستيلاء عليها وكيف يمكن إيقافه”.
وردًا على المطالب الروسية بتسليم 20 بالمئة من المنطقة الشرقية في دونيتسك التي لا تزال أوكرانيا تسيطر عليها وتسميها مدن القلاع، بالإضافة إلى التنازل عن المزيد من الأراضي في منطقتي خيرسون وزابوريجيا، اعتبر زيلينسكي أن هذه الخطوة تعني التخلي عن مئات الآلاف من المواطنين الأوكرانيين وإضعاف المواقف الاستراتيجية للبلاد.
وأضاف الرئيس الأوكراني: “أنا متأكد من أن هذا الانسحاب من شأنه أن يقسم مجتمعنا”، محذرا من أن أي توقف للقتال الآن سيعود بالنفع المؤقت على بوتين الذي يحتاج إلى فترة راحة.
وأشار إلى أن الشركاء الأوروبيين يتوقعون تعافي روسيا خلال ثلاث إلى خمس سنوات، لكنه يرى شخصيا أن الأمر لن يستغرق أكثر من عامين لتعود روسيا لمواصلة الحرب.
تطرق زيلينسكي أيضًا إلى الضغوط المتزايدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي صرح عشية محادثات وقف إطلاق النار الأخيرة في جنيف بأنه يجب على أوكرانيا الجلوس إلى طاولة المفاوضات بسرعة.
ويشير الدبلوماسيون الغربيون إلى اتفاق ترمب وبوتين على أن التنازلات الإقليمية هي مفتاح وقف إطلاق النار، وقد تجنب زيلينسكي المواجهات العلنية مع ترمب منذ تعرضه لتعنيف دبلوماسي متعمد العام الماضي بالبيت الأبيض بحضور نائب الرئيس جيه دي فانس، في إشارة واضحة لانتهاء حقبة الدعم التي حظيت بها كييف في عهد الرئيس السابق جو بايدن.
ورغم إيقاف واشنطن لمعظم شحنات المساعدات العسكرية، إلا أنها تستمر في توفير المعلومات الاستخباراتية الحيوية، بينما تنفق الدول الأوروبية المليارات لشراء أسلحة أمريكية لدعم كييف.
وردا على اتهامات ترمب له بأنه ديكتاتور بدأ الأزمة، ضحك زيلينسكي مجيبا: “أنا لست دكتاتورا، ولم أبدأ الحرب، هذا كل شيء”.
وفيما يتعلق بمفهوم النصر، أوضح زيلينسكي أن الهدف الأسمى هو استعادة الحدود العادلة لعام 1991، وهو العام الذي أعلنت فيه أوكرانيا استقلالها وشهد انهيار الاتحاد السوفيتي.
لكنه أقر بصعوبة تحقيق ذلك في الوقت الراهن لتجنب فقدان ملايين الأرواح في مواجهة الجيش الروسي الضخم، بالإضافة إلى النقص الحالي في الأسلحة.
وأكد أن النصر الأوكراني يكمن في الحفاظ على الاستقلال، بينما يتمثل انتصار العدالة للعالم أجمع في عودة جميع الأراضي، مشددا على أن منع بوتين من احتلال أوكرانيا هو نصر عالمي.
وحول إمكانية الوثوق بوعود ترمب المتقلبة، أوضح زيلينسكي أن أوكرانيا تسعى للحصول على ضمانات أمنية قوية لمدة 30 عاما، مشددا على ضرورة إقرار هذه الضمانات من قبل الكونغرس الأمريكي لضمان استمراريتها.
وفسر ذلك بأن الرؤساء والنخب السياسية يتغيرون، لكن المؤسسات الدستورية تبقى مستقرة. واشترط زيلينسكي وجود هذه الضمانات الأمنية قبل التفكير في المطلب الأمريكي بإجراء انتخابات عامة بحلول الصيف، وهو مطلب يتماشى مع الرواية الروسية بعدم شرعية رئاسته، علما بأن بوتين تولى السلطة لأول مرة في اليوم الأخير من القرن العشرين ولم يطالبه ترمب بإجراء انتخابات مماثلة.
وأشار زيلينسكي إلى أن إجراء الانتخابات، التي كانت مقررة في عام 2024 وتأجلت بسبب الأحكام العرفية، ممكن تقنيا إذا تم تعديل القوانين.
لكنه طرح تحديات كبرى تتمثل في وجود ملايين اللاجئين الأوكرانيين في الخارج واحتلال أجزاء واسعة من البلاد. وتساءل بصراحة عما إذا كان الحلفاء يرغبون حقا في إجراء انتخابات نزيهة يعترف بها الشعب، أم أنهم يسعون فقط للتخلص منه، مبينا أنه لم يقرر بعد ما إذا كان سيترشح مرة أخرى.
وعلى الرغم من فضيحة الفساد التي هزت حكومته الخريف الماضي، إلا أنه لا يزال يحظى بنسب تأييد مرتفعة، متجاوزا بداياته كفنان ترفيهي فاز في النسخة الأوكرانية من مسابقة للرقص عام 2006، ولعب دور رئيس أوكرانيا غير المتوقع في مسلسل كوميدي.
واشتكى زيلينسكي من رفض الشركاء الدوليين منح أوكرانيا تراخيص لتصنيع الأسلحة الأمريكية محليا، بما في ذلك أنظمة صواريخ باتريوت للدفاع الجوي أو حتى صواريخ للأنظمة المتاحة لديهم بالفعل، معربا عن عدم فهمه لأسباب هذا الرفض.
وفي ختام حديثه، أكد زيلينسكي على ضرورة تبني مسارات وخطوات متوازية للتعامل مع قادة العالم بدلا من التركيز فقط على روسيا، معربا عن أمله في أن تؤدي إحدى هذه الخطوات المتوازية إلى تحقيق الهدف الأسمى المتمثل في إيقاف بوتين، حتى وإن كان الأخير لا يرغب في إنهاء الحرب حاليا.
المصدر:
عرض الخبر من المصدر





