ليبيا بين «تصلّب الساسة» و«خريطة أممية» لم تُثمر بعد

0
(0)

منذ طرحت البعثة الأممية لليبيا تصورها للحل السياسي في ليبيا، خلال أغسطس (آب) الماضي، راهنت البعثة على مسار تدريجي يبدأ بإقرار قاعدة دستورية وقوانين انتخابية توافقية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، وصولاً إلى حكومة موحدة وانتخابات رئاسية وبرلمانية تنهي الانقسام السياسي والمؤسساتي. غير أن «مجلس النواب» (البرلمان) و«المجلس الأعلى للدولة» أخفقا خلال نحو ثمانية أشهر في تحقيق أي اختراق جوهري في الملفات الأساسية، على الرغم من الضغوط الدولية والإحاطات المتكرّرة من المبعوثة الأممية هانا نيتيه أمام مجلس الأمن، بما في ذلك التلميح أحياناً بإمكانية تجاوز الأجسام السياسية التقليدية نحو مسارات بديلة.

لقد بدت حالة الجمود السياسي أكثر رسوخاً مع استمرار تبادل التحفظات بين الأطراف الرئيسة، وهو ما عكسته وساطة محلية جرت قبل شهرين بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، وكشفت، وفق ما قالت مصادر ليبية لـ«الشرق الأوسط»، عن حسابات معقدة وخلافات عميقة ما تزال تعرقل التوافق حول القوانين الانتخابية.

ولم تتوقّف تبعات تصلّب الساسة عند المؤسسات السياسية، بل امتد إلى المؤسسة القضائية نفسها، بعدما أصبح «المجلس الأعلى» للقضاء منقسماً بين قيادتين في طرابلس وبنغازي، وهذا تطوّر حمّل متابعون مسؤوليته للمجلسين، وعدّوه مؤشراً إضافياً على اتساع أزمة الشرعية وتآكل قدرة المؤسّسات القائمة على إدارة المرحلة الانتقالية.

المحلّل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي يرى أن إخفاق مجلسي «النواب» و«الأعلى للدولة» في إنجاز استحقاقات خريطة الطريق الأممية يمثّل «استمراراً لمسلسل إهدار الفرص السياسية». وأردف أن البعثة الأممية باتت أقرب إلى تبنّي «مسارات موازية تضم قوى أكثر تأثيراً على الأرض، في ظل قناعتها بتنامي السخط الشعبي تجاه الأجسام السياسية التقليدية».

وحقاً، في موازاة الحراك الأممي الذي لم تثمر نتائجه على الأرض، برز الدور الأميركي بصورة أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة، سواءً عبر التحرّكات المرتبطة بمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، أو من خلال قيادة القوة الأفريقية «أفريكوم». وهذا بطبيعة الحال، يُعدّ مؤشراً على اهتمام متزايد من واشنطن بإعادة ترتيب المشهد الليبي أمنياً وسياسياً.

هذه التحركات شملت الدفع نحو توحيد الميزانية والإنفاق الحكومي، إلى جانب رعاية مناورات «فلينتلوك» العسكرية في مدينة سرت، بوسط ليبيا، بمشاركة قوات من شرق ليبيا وغربها، بالتوازي مع بروز مسار «4+4» الذي جمع ممثلين عن «الجيش الوطني الليبي» بقيادة المشير خليفة حفتر وحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهذا في محاولة لتقريب وجهات النظر حول الملفات الانتخابية وإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات.

ويرى العبدلي أن هذا المسار «يمثّل عملياً محاولة لإعادة تشكيل التوازنات السياسية والعسكرية، وسحباً تدريجيّاً للبساط من تحت أقدام مجلسي النواب والدولة، بعدما فشلا في إنتاج تسوية تنهي حالة الانسداد».

من ناحية ثانية، على الرغم من التفاؤل الحذر الذي أعقب اجتماعات تونس وروما بين ممثلي حفتر والدبيبة – إثر التوصل إلى تفاهمات جزئية بشأن آلية اختيار رئيس المفوضية العليا للانتخابات وأعضائها – فإن الخلافات التقليدية سرعان ما عادت إلى الواجهة، وهذه المرة حول طبيعة الاستحقاق الانتخابي المقبل. وهي برزت بعدما طرح ممثلو حكومة الدبيبة فكرة إجراء انتخابات برلمانية فقط، الأمر الذي قوبل بتحفظ من الفريق الآخر الذي اعتبر الطرح استناداً إلى تشريعات قديمة تجاوزتها قوانين انتخابات 2021.

وفي موازاة ذلك، عاد «الحوار المُهَيكل» الذي ترعاه الأمم المتحدة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى الواجهة مع اقتراب إعلان نتائجه النهائية في يونيو (حزيران)، وسط كلام عن توصيات تتضمن: تشكيل مجلس رئاسي بصلاحيات تنفيذية واسعة، وحكومة تمثل الأقاليم الليبية الثلاثة، وجدولاً زمنياً محدداً للمرحلة الانتقالية.

تنسجم هذه التسريبات مع مبادرة أميركية منسوبة إلى مستشار ترمب لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية بصيغة «مُحاصصة» بين شرق ليبيا وغربها. وكانت هذا «المبادرة» قد أثارت جدلاً واسعاً في ليبيا، وسط مخاوف من أن تتحوّل أي تسوية جديدة إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ، من دون معالجة حقيقية لجذور الانقسام والأزمة المستمرة منذ سنوات.

هنا يرى الدكتور أبوعجيلة سيف النصر عضو «الحوار المُهَيكل» أن «أكبر تحدٍّ أمام أي تسوية سياسية ترعاها الأمم المتحدة يبقى الوصول إلى سلطة تنفيذية وتشريعية موحدة». وهو يعتبر أن استمرار التصلب السياسي والانقسام الحالي يمثلان العقبة الأساسية أمام نجاح أي مسار أممي.

سيف النصر، في الواقع أبدى في حوار مع «الشرق الأوسط»، اقتناعه بأن نجاح توصيات الحوار المُهَيكل سيظل مرتبطاً بقدرة البعثة الأممية على حشد دعم دولي واسع، وبالأخص من الدول الخمس الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن والدول المنخرطة في مسار برلين. ولفت من ثم إلى أن إعلان البعثة أن مُخرجات الحوار «غير ملزمة» يثير تساؤلات حقيقية بشأن فرص تنفيذها.

في المقابل، لا تبدي قطاعات واسعة داخل الطبقة السياسية الليبية ثقة كبيرة في قدرة الأطراف الحالية على إنجاز تسوية فعلية، مستحضرة سلسلة المحطات السياسية السابقة من جنيف وبرلين وباريس والقاهرة والصخيرات وبوزنيقة، التي انتهت جميعها تقريباً إلى إعادة تدوير الأزمة بدلاً من حلها.

في موازاة الحراك الأممي الذي لم تثمر نتائجه على الأرض برز الدور الأميركي بصورة أكثر وضوحاً خلال الأشهر الأخيرة

يستند أصحاب هذا الرأي إلى تصريحات سابقة للمبعوث الأممي الأسبق الدكتور غسان سلامة، ذكر فيها أن العرقلة الأساسية للحل تنبع من الداخل الليبي أكثر من ارتباطها بالعوامل الخارجية. ويرى هؤلاء أن «قوى نافذة» داخل المشهد الليبي باتت تتعامل مع أي انتخابات أو تسوية شاملة على أنها تهديد مباشر لنفوذها السياسي والاقتصادي، وربما لما قد تكشفه أي سلطة جديدة من ملفات فساد أو انتهاكات جرى تناولها في تقارير دولية سابقة.

شعبياً، لا يزال المزاج العام الليبي أقرب إلى الحذر منه إلى التفاؤل. فبعد سنوات من الاتفاقات المتعثرة والانقسامات المتكرّرة، لم تعد قطاعات واسعة من الليبيين تتعامل بثقة مع أي مسار سياسي جديد، ما لم ينعكس على شكل خطوات ملموسة تنهي الانقسام وتحسن الأوضاع المعيشية.

ووفق الشاوش أنوير، الأمين العام لحزب «البلاد» الليبي، فإن الليبيين «فقدوا الثقة كلياً في المسارات السياسية والأممية بعد سنوات من الاتفاقات المتعثرة بفعل تضارب المصالح الداخلية والتدخلات الخارجية وضعف تنفيذ التفاهمات».

ويعتقد أنوير أن المشهد الليبي «تحكمه اليوم حالة من الحذر أكثر من التفاؤل». ولذا يؤكد أن استعادة الثقة لن تتحقق إلا عبر خطوات عملية، أبرزها إجراء انتخابات شفافة، وتوحيد مؤسسات الدولة، وإنهاء الفساد والفوضى.

وفي المحصلة، يبدو الليبيون اليوم عالقين بين أمل حذر في نجاح الجهود الدولية، وخشية متزايدة من أن تتحوّل المبادرات الجديدة إلى نسخة أخرى من تسويات مؤقّتة لم تنجح طوال السنوات الماضية في نقل البلاد من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء الدولة.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

0 / 5. 0

  • Related Posts

    دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

    0 (0) يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد…

    هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

    0 (0) الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من…