التشبُّع العاطفي يبدو في ظاهرِهِ وفرةً، لكنه في حقيقته امتلاءٌ خانقٌ، لأنَّ المشاعر حين تُسكب بلا وعي تتحول من دفء يمنح الحياة إلى ضغط يسلبها الهواء؛ فالعلاقة التي لا تعرف مساحة الشوق تذبُل تحت ثقل التملك، والتي لا تختبر لحظات نقص بسيطة تفقد قيمة الاكتمال، قليل من الجوع العاطفي ليس حرمانًا؛ بل هو توهج الرغبة في الاستمرار، وهو المسافة الصحية التي تسمح للقلب أن يشتاق فيزداد تعلقًا، وأن يهدأ فيزداد وعيًا، فحرارة الحياة لا تأتي من فائض بلا حدود؛ بل من توازن دقيق بين القرب والغياب، بين العطاء والانتظار، بين الاحتواء والحرية.
الاعتمادية أو التبعية العاطفية ليست حبًا عميقًا كما يظن البعض، بل هي خوف مُتنكِّر في صورة تعلُّق، جذورها غالبًا تعود إلى طفولة لم تشبع فيها الحاجة إلى الأمان، أو تجارب جعلت الإنسان يخلط بين الوجود والطمأنينة، فيظن أن الآخر مسؤول عن تنظيم مزاجه وإسعاده وشفائه. ومن أسبابها أيضًا ضعف تقدير الذات، والخوف من الهجر، وغياب الحدود النفسية، والاعتقاد بأن الحُب يعني الذوبان الكامل، فيتحول الشريك إلى مصدر وحيد للمعنى، ومع الوقت تصبح العلاقة عبئًا ثقيلًا، لأن طرفًا يحمل احتياجه كله، والطرف الآخر يختنق تحت وطأة التوقعات.
البُعد النفسي للمُعطي بوفرة يرتبط غالبًا بحاجة داخلية عميقة للشعور بالقيمة، فبعض الناس يمنحون بلا حساب لأنهم تعلموا منذ الصغر أن الحُب يقاس بما يقدم لا بما يكون، فينشأ لديهم اعتقاد خفي بأن وجودهم مرهون بقدرتهم على الإرضاء، وقد يكون الدافع خوفًا من الفقد أو هاجس الرفض، فيتحول العطاء إلى وسيلة لتأمين البقاء داخل العلاقة. وأحيانًا يكون المعطي نفسه محرومًا عاطفيًا فيمنح الآخرين ما كان يتمناه لنفسه، وأحيانًا يكون العطاء المُفرِط محاولة غير واعية للسيطرة، لأنه حين يُعطي يشعر أنه يُمسك بخيوط العلاقة، لكنه في العمق يستهلك طاقته ويهمل احتياجاته، فيتراكم داخله تعب صامت قد ينقلب لاحقًا إلى لوم أو شعور بالاستغلال.
أما البُعد النفسي للطرف الآخر عند فيضان العطاء، فغالبًا ما يمر بمراحل معقدة، في البداية يشعر بالامتنان وربما الانبهار، ثم يبدأ تدريجيًا في الاعتياد؛ فالنفس البشرية تتأقلم سريعًا مع الوفرة، ومع الاعتياد يقل الإحساس بالقيمة، وقد يتسلل شعور خفي بالضغط أو الاختناق، لأن كثافة الحضور تلغي المساحة الشخصية، ومع الوقت قد يشعر الطرف المتلقي بالذنب لأنه لا يستطيع رد العطاء بنفس الدرجة، أو يشعر بفقدان دوره داخل العلاقة؛ إذ إن العلاقات الصحية تقوم على تبادل حي، لا على تدفق أحادي، وعندما تختفي المسافة يختفي الشوق، وحين يختفي الشوق تبهت حرارة العلاقة ويحل محلها فتور غير مفهوم.
التعامل مع التبعية العاطفية يبدأ بالاعتراف بها دون جلد للذات، ثم بإعادة توزيع مصادر الإشباع، فلا يكون الحبيب هو العالم كله بل جزءا جميلا منه، من المهم تقوية العلاقة بالنفس قبل تقوية العلاقة بالآخر، عبر تنمية الاهتمامات الخاصة، واستعادة المساحات الشخصية، وبناء شبكة دعم اجتماعي لا تعتمد على شخص واحد، كذلك تعلم وضع حدود واضحة، فالحب لا يعني المراقبة المستمرة ولا الإذابة الكاملة، بل يعني شراكة بين فردين مستقلين يختاران بعضهما كل يوم، لا يهربان من الوحدة بل يلتقيان من موقع قوة لا من موقع خوف.
وفي حالة التابع العاطفي تتشكل علاقة غير متوازنة، أحدهما يطلب الطمأنينة باستمرار والآخر يمنحها على حساب ذاته، فتدور العلاقة في دائرة احتياج وإشباع مؤقت يعقبه احتياج أكبر، العلاج يبدأ بإعادة تعريف الحب، ليس بوصفه اندماجا كاملا بل شراكة بين فردين مستقلين، من الضروري أن يتعلم التابع العاطفي تنظيم مشاعره بنفسه لا عبر الطرف الآخر، وأن يوسع مصادر دعمه ومعناه في الحياة، كما يحتاج المعطي بوفرة أن يتعلم قول لا، وأن يمنح بوعي لا بدافع خوف، حين يستعيد كل طرف حدوده ومساحته، تعود العلاقة نابضة بالاشتياق، لأن الغياب الجزئي يخلق فضولا، والمسافة تولد شوقا، وعندما يختار الطرفان بعضهما من جديد لا بدافع الحاجة بل بدافع الرغبة، تستعيد العلاقة وهجها، ويصبح الحب مساحة حرة يتجدد فيها الفضول بدلًا من أن يخمد تحت ثقل الامتلاء.
معالجة التبعية العاطفية تحتاج صبرا ووعيا، وقد تتطلب أحيانا دعما نفسيا متخصصا إذا كانت الجذور عميقة، المهم أن نفهم أن العلاقة الصحية لا تقوم على الامتلاء الدائم بل على حركة مد وجزر تمنحها الحياة، قليل من الجوع يحفظ الشغف، وقليل من الغياب ينعش الحضور، وللحفاظ على العلاقة نابضة لا يكفي تجنب التشبع بل يجب بناء وعي يومي بها، عبر حوار صادق لا يتراكم فيه الصمت، وعبر إنصات حقيقي لا يقاطع فيه أحدهما احتياج الآخر، وعبر اتفاقات واضحة حول المساحات الشخصية والحدود النفسية، ومنح كل طرف حقه في الاختلاف دون تهديد بالهجر، وتجديد التجارب المشتركة حتى لا تتحول الأيام إلى روتين بارد، والامتنان المتبادل الذي يعيد رؤية ما نملكه قبل أن نفقده، وكذلك إدارة الخلاف بنضج فلا يتحول إلى معركة كسر إرادة بل إلى مساحة فهم أعمق، لأن العلاقات التي تدوم ليست تلك التي تخلو من العواصف بل التي تعرف كيف تعبرها معا، فتخرج أكثر وعيا وأشد تماسكا، فالحب حين يتحرر من التشبع المرضي ويستند إلى وعي وحدود واحترام متبادل، يصبح اختيارا ناضجا يتجدد كل يوم، وحرارة حياة لا برودة موت.
المصدر:
عرض الخبر من المصدر





