حضارة أم بربرية؟!

0
(0)

تُخبرنا أحداث التاريخ القديم عن قبيلتين تنازعتا على بئر ماء في صحراء قاحلة، فما كان من شيوخهما إلا أن جلسوا تحت ظل شجرة يتجادلون لفترة طويلة حتى ارتفع صوت شاب غاضب بين الجموع قائلاً: “لن يُحل الأمر إلّا بالسيف”، وما إن ارتفعت السيوف حتى تحول الصراع على الماء لجريمة شنعاء، أو ما نُسميه في العصر الحديث “مذبحة جماعية”، إذ قُتل الكثير من الناس وردمت الرمال البئر ممزوجة بدماء الضحايا، وخسرت القبيلتان ما كانتا تختصمان عليه.. ومرت السنون والأيام، وتغيرت الأدوات وتطورت الأسماء، وتبدلت الملابس، لكن السؤال الذي ظل قائمًا: هل تغير العقل ومنطق التفكير بعد كل ذلك؟! وهل ما يزال اللجوء للعنف والحرب هو “الحل” للمشكلات التي قد تُواجهها الدول والكيانات؟

ربما يتفق الجميع على أن العنف والحروب والسلاح هي أشكال بدائية لحل النزاعات والخصام، سواء كان ذلك بين الأفراد أو المجتمعات والدول، بينما الحضارة التي نعيها هي الاحتكام للقانون والارتقاء بالقيم والعمل على إعلاء صوت العقل فوق هدير المدافع، إلا أن ما نشهده في العالم وفي العقود الأخيرة من الزمن وعبر تاريخ البشرية هو امتداد لحياة بدائية تعيش على العكس، فنرى التفنن في استخدام الأسلحة لإخضاع الآخر، وتحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات عسكرية مرعبة ومدمرة ولا نجد منها سوى انتهاء حضارة أو دمار لبنية تحتية.

وإننا نعيش في عالم تتسارع فيه التطورات التقنية والتكنولوجية التي تبهرنا كل يوم بتقدمها الملحوظ الذي يجاري الإنسان بالطبع، فقد أصبح للبشر قدرة على إرسال مركبات فضائية للمريخ، وعلى التواصل اللحظي عبر القارات ودول العالم، وكما إنه بات قادرا على إجراء عمليات جراحية عن بعد، وكل هذا التقدم أيضا صاحبه تقدم واضح وكبير في تطور أدوات السلاح والقتل بنفس القدر إن لم يكن أكثر من ذلك، بدءًا من الطائرات المسيرة وانتهاء بالأسلحة الهيدروجينية، صحيح أنه تطور مذهل وبديع ولكنه موجه نحو التدمير والقتل وتشويه العالم.

قد يرى البعض أن السلاح ضرورة لحفظ أمان أي دولة وردع الآخر من الاعتداء عليها، وربما يرى البعض أيضا أن عالماً مثل هذا العالم المضطرب يجعل امتلاك الأسلحة والقوة جزءًا من التوازن المطلوب، ولكن أي حضارة تلك التي تقيس تقدمها وتفوقها بقدرتها على محو مدن وإبادة مستوطنات تضم ملايين البشر بقرار واحد وخلال دقائق معدودة…؟ إننا أمام فارق جوهري يكمن في الكيفية التي يتم فيها استخدام القوة، بحيث تكون وسيلة ردع أخيرة، أم أنها أداة لفرض وإخضاع الآخر؟ وهل يتم استخدامها فعلاً للحماية واستقرار الشعوب والدول وأم لإعادة تشكيل الخرائط وفق مصالح الأقوياء ومن يمتلكون القدرة على فرض السيطرة وإطلاق الأحكام؟

تقف المنطقة اليوم على إيقاع طبول حرب جديدة محتملة هي تلك التي قد يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، ومع كل تصعيد تتكرر المشاهد نفسها، تصريحات نارية تتناولها وتتبادلها العواصم، وأسواق مهددة ترتجف، وشعوب تحبس أنفاسها خوفاً من تبعات ما قد يحدث، وحاملات طائرات تملأ السماء لتلوث صفاءها، وبعد كل هذا من يدفع الثمن في نهاية المطاف؟ بالطبع ليست الحسابات الانتخابية ولا استعراضات القوة والنفوذ ولا التصريحات التي تضج بها القنوات، وإنما من يدفع ثمنها هم الأسر التي تفقد من يُعيلها، وأطفال يفقدون تعليمهم ويحكم عليهم بالجهل طوال حياتهم، وأجيال تعيش تحت ذاكرة الخوف والتوجس ولا تمتلك حتى أبسط مقومات الحياة، ينامون ليلاً وهم مستعدون للموت غدا ومتحضرون له.

عندما تتحول الخلافات السياسة إلى صراعات عسكرية كدليل على القوة والقدرة، هذا يعني أن هناك عجزا واضحا في إدارة النزاعات بوسائل أكثر حكمة ونضجاً، فالحضارة الحقيقية لا يمكن أن نختبرها في زمن السلم بل في لحظات التوتر القصوى، حين يكون القرار بين الرصاص والكلمة وبين المفاوضات والصواريخ، فالتاريخ لا يخلد من أشعل الحرب بل من أخمدها وأوقفها، فالقوة العسكرية تفرض واقعاً مؤقتاً لكنها لا تبني سلاماً دائماً، فالسلام يحتاج لشجاعة، شجاعة من نوع آخر، وهي شجاعة التراجع خطوة لتجنب الصدام والكوارث، شجاعة في القدرة على النقاش والتفاوض، شجاعة الاعتراف بأن الهيمنة لا يمكن أن تكون يوما ما بديلا عن الاستقرار…

إن الأسلحة سواء كانت نووية أو هيدروجينية أو غيرها، وأي ترسانة من ترسانات الفتك الحديثة ليست دليلا على وصول البشرية لقمة الحضارة؛ بل إنها ما زالت تحمل بداخلها نزاعات بدائية مُقلقة، الفارق فقط أن الإنسان اليوم يُهدد بالضغط على زِرٍ أحمر، في حين أن الإنسان البدائي كان يُهدد ملوِّحًا بعصا؛ فالحضارة ليست بما نملكه من أدوات فتك، وإنما بما نختار أن نقوم به، فإمَّا أن تكون التقنيات الحديثة هي وسيلة وجسر لتعاون إنساني، أو أن تتحول لأداة قتل وتصفية بدنية وإبادة جماعية للأمم والشعوب.. ومن هنا هل نريد أن نُذكر في كتب التاريخ بأننا الجيل أو الحضارة التي أتقنت صناعة السلاح؟ أم الحضارة التي جنبت البشرية أهوال الحرب؟

وما بين الحضارة والبربرية يبقى خط رفيع يسمى “القرار”، وركيزة أساسية هي “الإرادة”، وإذا ما اجتمع القرار الصائب مع الإرادة الصادقة المخلصة، سنصل حتمًا إلى بر الأمان ويتحقق الاستقرار ويعم السلام أنحاء المعمورة.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

0 / 5. 0

  • Related Posts

    قائمة غيابات الهلال في مباراة التعاون

    0 (0) يلتقي فريق الهلال اليوم الثلاثاء أمام نظيره التعاون ضمن منافسات الجولة العاشرة المؤجلة من بطولة دوري روشن في مواجهة قوية وصعبة. ويواجه الهلال شبح غياب عدد من لاعبيه…

    مآذن المسجد الحرام.. هندسة شامخة تحكي تاريخ العمارة الإسلامية| إنفوجرافيك

    0 (0) تضم جنبات المسجد الحرام 13 مئذنة تتشابه في تصميمها العام وتختلف في ارتفاعاتها، لتشكل لوحة هندسية تحكي تاريخ العمارة الإسلامية العريق وفق بيانات هيئة العناية بشؤون الحرمين. وتتوزع…