دراسة تكشف سبب صعوبات تعلّم الرياضيات لدى بعض الأطفال

0
(0)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من كلية الطب بجامعة ستانفورد في الولايات المتحدة، في مجلة Journal of Neuroscience، أن صعوبة تعلّم الرياضيات قد تعود في الأساس إلى عوامل عصبية تؤثر في طريقة عمل الدماغ لدى كل طفل، وتؤدي إلى اختلافات فردية في معالجة الأرقام والمسائل الحسابية.

تُعد صعوبات تعلّم الرياضيات من المشكلات التعليمية المنتشرة عالميًا، إذ تشير التقديرات إلى أن ما بين 3 و7 في المائة من السكان يعانون مما يُعرف بعُسر الحساب (Dyscalculia). ويشمل هذا الاضطراب صعوبات في فهم الكميات ومقارنتها، وتعلّم العدّ، واستيعاب رموز الأرقام، واكتساب المهارات الحسابية حتى البسيطة منها.

وأوضح الباحثون أن حل المسائل الرياضية لا يعتمد على مهارة واحدة، بل يتطلب تكامل عدة وظائف عصبية، من بينها المعالجة البصرية التي تتيح ترجمة الأرقام والرموز (كالجمع والطرح والضرب) إلى معانٍ كمية، إضافة إلى الذاكرة قصيرة المدى اللازمة للاحتفاظ بتفاصيل المسألة أثناء معالجتها.

وشملت الدراسة 87 طفلًا من الصفين الثاني والثالث في مدارس أميركية، تراوحت أعمارهم بين 7 و9 سنوات. وكان من بينهم 34 طفلًا يعانون صعوبات واضحة في تعلّم الرياضيات، بعدما سجلوا درجات أقل بكثير من أقرانهم في اختبارات قياس المهارات الحسابية، فيما أظهر باقي الأطفال أداءً طبيعيًا.

واختار الفريق البحثي مهمة تقوم على إجراء مقارنات بسيطة بين كميتين، حيث طُلب من الأطفال تحديد أيهما أكبر. وخضع جميع المشاركين لفحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي أثناء تنفيذ المهمة، بهدف رصد أنماط نشاط الدماغ خلال التعامل مع الأرقام.

وعُرضت الكميات بطرق مختلفة؛ فمرة قُدمت في صورة أرقام مكتوبة، ومرة أخرى على هيئة مجموعات من النقاط تتطلب تقديرًا بصريًا سريعًا للعدد الأكبر. وكان الهدف من هذا التنويع تقييم قدرة الأطفال على الانتقال بين أشكال العرض المختلفة، والتنبؤ بالإجابة اعتمادًا على المعالجة الذهنية السريعة.

وصُممت المسائل بدرجات متفاوتة من الصعوبة؛ فبعضها كان يتضمن فروقًا واضحة بين الأعداد (مثل 7 مقابل 2)، وأخرى بفروق طفيفة (مثل 6 مقابل 7)، بما يسمح بقياس استجابة الدماغ للمهمات السهلة مقارنة بالصعبة.

لم يقتصر اهتمام الباحثين على صحة الإجابات، بل ركزوا على كيفية تغيّر أداء الأطفال من محاولة إلى أخرى. ودرسوا ما إذا كان الطفل يُعدّل أسلوبه بعد الوقوع في الخطأ، ومدى حرصه على التمهّل في المسائل الأصعب، وسرعة إدراكه لخطئه، وقدرته على إبطاء وتيرة الحل لاحقًا. وتُعد هذه الجوانب عنصرًا جوهريًا في تنمية المهارات الرياضية.

وأظهرت النتائج أن الأطفال ذوي القدرات الطبيعية كانوا أكثر ميلًا إلى التمهّل عند التعامل مع المقارنات الصعبة بين أعداد متقاربة، بخلاف الأطفال الذين يعانون صعوبات في تعلّم الرياضيات، إذ لم يُظهروا درجة كافية من تعديل السلوك أو تغيير الاستراتيجية عند مواجهة المسائل الأكثر تعقيدًا، مما زاد من احتمالية وقوعهم في الأخطاء.

كما كشفت النتائج نمطًا ثابتًا؛ إذ بدا الأطفال الذين يواجهون صعوبات أقل قدرة على مراجعة استراتيجياتهم بعد الخطأ، حتى عند تكرار الأخطاء بأنواع مختلفة، وهو ما شكّل فارقًا جوهريًا بينهم وبين أقرانهم.

وأوضحت صور الرنين المغناطيسي أن الأطفال الذين عانوا صعوبات أكبر أظهروا نشاطًا أضعف في مناطق القشرة المخية المسؤولة عن مراقبة الأداء وتعديل السلوك، وهي مناطق ترتبط بوظائف «التحكم المعرفي»، مثل تقييم الأخطاء، وتغيير أساليب التفكير، واتخاذ القرار، وضبط الاندفاع، والتكيف مع المعلومات الجديدة.

وتشير هذه النتائج إلى أن صعوبات الرياضيات قد لا ترتبط فقط بضعف في فهم الأرقام، بل ربما تعكس تحديات أعمق تتعلق بقدرة الطفل على مراجعة تفكيره وتعديل استراتيجيته أثناء حل المسائل، وهي مهارة أساسية في التعلّم.

وفي ختام الدراسة، شدد الباحثون على أهمية التعامل الجاد مع صعوبات تعلّم الرياضيات، وعدم اختزالها في ضعف دراسي أو إهمال، خصوصًا في سنوات الطفولة المبكرة، حيث لا يزال الدماغ في طور النمو، ما يتيح فرصًا حقيقية لتطوير المهارات عبر برامج تعليمية فردية مناسبة.

المصدر:
عرض الخبر من المصدر

0 / 5. 0

  • Related Posts

    برعاية تركي آل الشيخ… توقيع عقد إنتاج مشترك بين «هيئة الترفيه» و«MBC مصر»

    0 (0) وقع اليوم الخميس، برعاية المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه، عقد إنتاج مشترك بين الهيئة وقناة “MBC مصر”، في خطوة تعكس آفاق…

    الناتو يعتمد آيفون وآيباد للتعامل مع بيانات سرية رسمية

    0 (0) أعلنت شركة أبل أن أجهزة آيفون وآيباد حصلت على اعتماد رسمي يسمح لها بالتعامل مع بيانات مصنفة حتى مستوى “NATO Restricted”، وهو أدنى مستويات التصنيف السري لدى حلف…