تكشف الضربات التي شنتها الولايات المتحدة على إيران إثر إقدام إيران على استهداف مروحية «أباتشي» أميركية، والرد الإيراني لكن على إسرائيل وعلى القطع البحرية الأميركية وعلى دول الخليج – وبالذات الكويت والبحرين – عن واقع خطر. وهو يكشف عن طبيعة الرد ورد الرد في وقت يبحث فيه كل من الطرفين الأميركي والإيراني عن صيغة مناسبة لإنهاء الحرب.
إيران تسعى عملياً إلى تحقيق مكاسب إضافية تقنع فيها الشارع الإيراني بما تدعي بأنه «انتصار»، سواءً على صعيد استمرار استخدام «مضيق هرمز» رهينة في هذه الحرب، بالإضافة إلى مطالبة إيران بالإفراج عن عشرات المليارات من أموالها المجمدة. وفي المقابل، يحرص الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الظفر بتنازل إيراني يتيح له إعلان النصر في هذه المواجهة لكي يقنع الشارع الأميركي بأن ما قام به من عمليات عسكرية ضد إيران حقق أهدافه في نهاية المطاف.
الواقع أنه بصرف النظر عمّا يمكن أن تؤول إليه هذه المواجهة، سواءً استمرت على شكل ضربات متبادلة – بصرف النظر عن إمكانية نجاح الوساطات، وبخاصة الوساطة الباكستانية – أو انتهت على شكل اتفاق أميركي – إيراني، فإن المواجهة الأخرى المحتملة والمؤجلة هي التي يمكن أن تندلع بين إيران وإسرائيل.
هذه المواجهة قد تحصل في مرحلة لاحقة بعد وقف الحرب الحالية؛ نظراً لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرى أن وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة لن يصب في صالحه. وانطلاقاً من هذا الاعتبار، يؤمن كل من الإيرانيين والإسرائيليين بأن المواجهة بينهم هي «مسألة وقت»، لا غير، وبأن الساحتين المثاليتين لهذه المواجهة المحتملة هي لبنان والعراق.
وبالفعل، على صعيد المفاوضات الجارية، بوساطة باكستانية، بين إيران والولايات المتحدة والتي بدت للبعض على حساب الجانب الإسرائيلي، فإن طهران تمكنت إلى حد كبير من ربط الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية على صعيد وقف إطلاق النار الذي بقي هشاً بين إسرائيل ولبنان بسبب إصرار نتنياهو على كسر الهدنة بضربات مركزة على الجنوب اللبناني.
ومع استمرار هشاشة الوضع في لبنان، لا سيما مع المتغيّر المهم الذي أدى إلى المزيد من العزلة لـ«حزب الله» اللبناني بعد إقدام الدولة اللبنانية على إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، تبدو وضعية الساحة العراقية مختلفة إلى حد كبير. عن حال الساحة اللبنانية. وبالأخص، أن الحكومة العراقية باشرت إجراءات بدت حازمة لحصر سلاح الفصائل المسلحة بيدها.
وفي حين بدأ العديد من الفصائل المسلحة الاستجابة، أولاً لخطة الحكومة العراقية حصر السلاح بيدها، وثانياً للضغط الأميركي غير المسبوق، فإن أبرز فصيلين حليفين لإيران هما «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» أعلنا في بيانات رفضهما الصريح لنزع سلاحهما تحت مبرّرات سياسية وعقائدية.
على الرغم من هذا الموقف السلبي، لم تعلق الحكومة العراقية على بيانات الرفض ما يعني أن المواجهة مع هذه الفصائل ستكون مؤجلة حتى تكمل الحكومة إجراءات ما بات يُسمى «الدمج» و«فك الارتباط» بين الفصائل المسلحة و«الحشد الشعبي». ويُذكر أنه يراد لـ«الحشد» أن يكون مؤسسة وطنية نالت موافقة البرلمان، الأمر الذي يبعدها عن سائر الفصائل التي تحمل السلاح خارج السلطة المباشرة للدولة، سواء كانت تابعة لـ«الحشد» أو منفصلة عنه.
من جهة ثانية، في حين أعلنت «سرايا السلام»، التابعة لزعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر، أنها قرّرت التخلي عن سلاحها وتسليمه للحكومة – وهو ما تحقق بالفعل الأسبوع الماضي – فإن الفصيل الثاني من بين الفصائل الخمس التي أعلنت تسليم سلاحها، كان «كتائب الإمام علي» الذي فعل يوم الأربعاء الماضي.
الحكومة العراقية، من جانبها، شددت على أن «الموعد النهائي لحصر السلاح بيد الدولة سيكون خلال شهر سبتمبر (أيلول) المقبل». وأوضح الدكتور حيدر العبودي، الناطق الرسمي باسم الحكومة خلال مؤتمر صحافي أن «الحكومة استندت في إدارة ملفاتها إلى رؤية وطنية مدعومة بتفويض وثقة مجلس النواب». وأكد «عزمها على الالتزام بحصر السلاح تماماً بيد الدولة وفق الجداول الزمنية المحددة في المنهاج الوزاري، التي تنتهي في أيلول المقبل تزامناً مع إنهاء مهام التحالف الدولي».
وفي موازاة ما تقدّم، بدأت لجنة عسكرية عليا أول الخطوات التي تهدف إلى تطبيق أولى فقرات المنهاج الوزاري لحكومة علي الزيدي لجهة حصر السلاح بيد الدولة. وسيكون ذلك عبر تسلّم الملفات والبيانات الخاصة بمقاتلي «كتائب الإمام علي» وأسلحتها ومعداتها وعجلاتها، لتغدو بالتالي أول فصيل مسلح خارج الدولة يسلم ما لديه بعد «سرايا السلام».
واستطراداً، أفادت قيادة العمليات المشتركة، في بيان لها، بأن «اللجنة المشكّلة لفك الارتباط والاندماج تواصل أعمالها تنفيذاً للمنهاج الحكومي المصادق عليه من مجلس النواب».
وطبقاً للبيان، فإن «هذه الإجراءات تأتي تمهيداً لاستكمال مراحل الدمج وإعادة التنظيم، وإلغاء المُسميات والعناوين الأخرى الخاصة بهذه التشكيلات»، وأردف البيان أن «الخطوة تندرج ضمن جهود الحكومة الرامية إلى تعزيز الاستقرار وترسيخ سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، بما يسهم في تعزيز أمن البلاد».
وبالتزامن مع هذه الإجراءات، التي تهدف في جانب منها، إلى محاصرة الفصائل المسلحة الرافضة حتى الآن لخطة الحكومة لتسليم سلاحها – انسجاماً مع أوامر إيرانية – فإن رئيس الوزراء العراقي الزيدي أكد مضيه قدماً في إجراءات ضبط السلاح.
المراقبون السياسيون في بغداد يرون أن إيران، نظراً لأنها لا تثق بوعود واشنطن، ترفض أن تتخلى عن كل نفوذها في المنطقة. ولهذا فهي تصر على إبقاء ملفات كملفات جنوب لبنان وسلاح «حزب الله» اللبناني وسلاح الفصائل العراقية المرتبطة بطهران عقائدياً أمراً غير قابل للنقاش مهما استمرت الضغوط الأميركية على إيران.
في المقابل، يواصل رئيس الوزراء الزيدي، من جانبه، انخراط حكومته بعملية حصر السلاح بيد الدولة. وفي بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء في مناسبة ذكرى دخول تنظيم «داعش» خلال شهر يونيو (حزيران) 2014 إلى مدينة الموصل، في أكبر نكسة واجهها الجيش العراقي، قال الزيدي إن «الحكومة ماضية بثبات في ترسيخ الأمن والاستقرار، وتعزيز سيادة العراق وحماية قراره الوطني المستقل، وحصر السلاح بيد الدولة، ومواصلة مسيرة البناء والإعمار والإصلاح والتنمية الشاملة، بما يحقق تطلعات أبناء شعبنا في دولة قوية مقتدرة، توفر الحياة الكريمة والفرص الواعدة لمواطنيها».
أيضاً، أعرب رئيس الوزراء عن «تقديره للمواقف الوطنية للقوى السياسية الداعمة لمسار الاستقرار والإصلاح والتنمية، بما يعزّز وحدة الصف وقوة القرار الوطني، ويسهم في ترسيخ أسس الدولة وبناء مستقبل العراق».
تأتي تعهّدات الزيدي هذه في وقت تنقسم فيه الفصائل المسلحة بشأن خطته الهادفة إلى حصر السلاح بيد الدولة طبقاً للمنهاج الوزاري. وللعلم، أكد العديد من الفصائل المسلحة، بمن فيها تلك التي لديها تمثيل برلماني مثل «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، نيتها «فك ارتباطها وإعادة دمجها». وهذه العبارة فتحت حقاً باب التأويل حول المعنى الفعلي لعملية حصر السلاح، وحسم وضع العناصر المسلحة التابعة للفصائل وتأتمر بأوامرها، ومدى ارتباطها بهيئة «الحشد الشعبي»، لكن من دون تسمية معلنة لوضع هذه الكتلة أو تلك.
ومن هنا، تجدر الإشارة إلى أنه، تحت الضغط والتهديد الأميركيين، فوّض «الإطار التنسيقي» الشيعي رئيس الوزراء باتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة «الحشد الشعبي» بالأطر السياسية والحزبية والاجتماعية.
إلى ذلك، وفي ظل استمرار المواجهات بين القوات المسلحة الإيرانية من جهة، والقوات الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى، صارت الأجواء العراقية – عملياً – ممراً للطائرات والصواريخ بين الأطراف المتحاربة.
غير أن الأبرز، في هذا السياق، هو كشف التقارير الصحافية عن بناء إسرائيل أكثر من قاعدة متقدمة لها داخل الأراضي العراقية، وبالذات في الصحراء الغربية من البلاد، وهذه مناطق شاسعة مترامية الأطراف تجمع بين ثلاث محافظات هي الأنبار وكربلاء والنجف.
ومع أن الحكومة العراقية نفت وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية «ثابتة» في غرب البلاد، فإنها أقرّت بتمركز قوة إسرائيلية بين محافظتَي النجف وكربلاء لمدة 48 ساعة في مطلع مارس (آذار) الماضي. ولقد كانت صحيفة الـ«وول ستريت جورنال» الأميركية هي التي كشفت عن إنشاء إسرائيل موقعاً عسكرياً سرّيّاً في الصحراء العراقية بين محافظتي كربلاء والنجف خلال مارس الماضي «لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026». وبالتالي، أثيرت أسئلة كثيرة تتعلق بمدى قدرة السلطات العراقية على فرض السيادة على أرضها ومنع الاختراقات الأجنبية، وفق معلقين سياسيين من توجهات مختلفة.من ناحية أخرى، أكدت الرواية صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية أيضاً، بل زادت الأخيرة أن إسرائيل أمضت أكثر من سنة في تجهيز مواقع سرّيّة في محافظة الأنبار، بأقصى غرب العراق، لاستخدامها في عمليات الدعم الجوي والتزوّد بالوقود والعلاج الطبي خلال المواجهة مع إيران.
المصدر:
عرض الخبر من المصدر




